أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
189
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
أصله . وقد يراد به مجرّد الحلول كقوله تعالى : فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ « 1 » ، أي حلّ . ويقال : نزلت بالجبل ، وإن كان من سفل إلى علوّ لغلبة الاستعمال ، وهو عكس تعال ؛ فإنّ أصله أن تدعو من هو أسفل أن يرتفع إليك . ثم كثر حتى يقول المستفل للمرتفع : تعال . وأنزلته مكان كذا : جعلته نازلا منه . قال تعالى : وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً « 2 » . قال بعضهم : إنزال اللّه تعالى نعمه على خلقه ؛ أعطاهم إياها ، وذلك إمّا بإنزال الشيء نفسه ، كإنزال القرآن . وإمّا بإنزال أسبابه والهداية إليه ، كإنزال الحديد واللباس ونحو ذلك . قال تعالى : أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ « 3 » وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ « 4 » قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ « 5 » . ومن إنزال العذاب قوله تعالى : إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً « 6 » . قال الراغب « 7 » : والفرق بين الإنزال والتّنزيل في وصف القرآن والملائكة أنّ التّنزيل يختصّ بالموضع الذي يشير إلى إنزاله متفرّقا ، ومرة بعد أخرى ، والإنزال عامّ . قلت : هذا الذي ذكره الراغب تبعه فيه أبو القاسم الزّمخشريّ ، وقد اعترضت عليهما بقوله تعالى : الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً « 8 » فإنه أتى بصيغة « نزّل » مع « جملة » دفعة واحدة من غير تفريق ولا تنجيم « 9 » . وقد نقّحنا هذا في غير هذا . قال : وقوله : لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ « 10 » فإنّما ذكر في الأول « نزّل » وفي الثاني « أنزل » تنبيها أنّ المنافقين يقترحون أن ينزل شيء فشئ من الحثّ على القتال
--> ( 1 ) 177 / الصافات : 37 . ( 2 ) 29 / المؤمنون : 23 . ( 3 ) 1 / الكهف : 18 . ( 4 ) 25 / الحديد : 57 . ( 5 ) 26 / الأعراف : 7 . ( 6 ) 34 / العنكبوت : 29 . رجزا : عذابا شديدا . ( 7 ) المفردات : 489 . ( 8 ) 32 / الفرقان : 25 . ( 9 ) جاء في التفسير أن النجم نزول القرآن نجما بعد نجم ، وكان تنزل منه الآية بعد الآية . ( 10 ) 20 / محمد : 47 .